۞ منتديات كنوز الإبداع ۞


 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولاليومية

شاطر | 
 

 قصة الدولة الأيوبية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الشجاع

عضو جديد  عضو جديد
avatar

الجنس : ذكر


العمر : 37
الموقع المدينة المنورة
التسجيل : 30/03/2012
عدد المساهمات : 15

مُساهمةموضوع: قصة الدولة الأيوبية   الخميس 26 أبريل 2012, 6:36 am

قصة الدولة الأيوبية



شكَّلت الدولة الأيوبية مرحلة مهمة في التاريخ الإسلامي، واضطلعت بمهام عظيمة وجسيمة في حياة الأمة؛ وكان أمراؤها على قدر المسئولية حينًا، وعلى غير ذلك أحيانًا أخرى.


تبدأ قصة الأيوبيين من خلال الدولة الزنكية التي نشئوا من خلالها، وعاشوا في خدمتها يخدمون الإسلام حينًا، حتى قادتهم الأقدار إلى تولِّي قيادة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين.
لقد شكلت أحداث التاريخ الزنكي دولة إسلامية في مرحلة من أشد مراحل التاريخ الإسلامي حرجًا, إذ تعرض فيها العالم الإسلامي في الشرق الأدنى لهجوم أوروبي غربي عُرِفَ باسم الحروب الصليبية، في الوقت الذي كان فيه المسلمون يمرون بحالٍ من التفكك, وأصبح من الواضح أنهم كانوا في أَمَسِّ الحاجة إلى رجل قوي ينقذهم من حال الفرقة والانقسام, ويوحدهم تحت رايته, ويجمع طاقاتهم قبل أن ينطلق بهم في خُطًا ثابتة نحو الجهاد.
وقد اتصفت الحياة السياسية في الشرق الإسلامي قبل مجيء الصليبيين باضطراب داخلي، شمل كافة الدولة والإمارات الإسلامية؛ ففي الشرق خضعت الخلافة العباسية لسيطرة السلاجقة الذين تدهور نفوذهم بعد ذلك وتفككت دولتهم, ودَبَّ النزاع بين أمرائهم حول الاستئثار بالنفوذ والسلطان.
وكانت الدولة العُبَيْدِيّة (الفاطمية) في مصر تمر بمراحل شيخوختها؛ فينازع أمراؤُها خلفاءَها, وتجاذبت القوتان السلجوقية والفاطمية بلاد الشام دون أن تتمكن أي منها من تثبيت نفوذها، وسيطرتها عليها بصورة دائمة أو فعالة.
نتج عن هذا الوضع المضطرب مناخ مناسب للأمراء المحليين في إقليم الجزيرة وبلاد الشام, فاستقل كُلٌّ بما تحت يده يعالج مشكلاته وشئونه الخاصة, وخضع للجانب الذي ارتبطت به مصلحته, وراح يعمل على توسيع أملاكه - إلى ما وراء حدود إمارته - على حساب جيرانه الأمراء الآخرين في ظل ضعف الرابطة السياسية بين هذه الكيانات؛ فتوزعت السلطة نتيجة ذلك بين عدد من الأمراء الطامحين, وتركزت إماراتهم في الموصل, وأنطاكية, والرُّها, وحلب ودمشق, وبيت المقدس وغيرها، فأضحى لكل واحدة من هذه الوحدات السياسية – الاجتماعية, كيانها الخاص وذاتيتها المتميزة إلى حد كبير.
وصل الصليبيون في ظل هذه الظروف القلقة إلى العالم الإسلامي, واندلعت نيران الحروب الصليبية في الجزيرة وبلاد الشام, ونجحوا في تأسيس أربع إمارات لاتينية في قلب العالم الإسلامي هي: الرُّها, وأنطاكية, وبيت المقدس, وطرابلس, مستغلين تدهور نفوذ السلاجقة, وعجز الخلافة العباسية, والدولة الفاطمية, وتَشَتُّت الإمارات الإسلامية.


عماد الدين زنكي.. القائد الصلب


أدرك ما آلت إليه أوضاع العالم الإسلامي في الشرق من تشتت وتدهور, فأخذ على عاتقه القيام بهذه المهمة، فأسس دولة له في الموصل وحلب, ثم رفع راية الجهاد ضد الصليبيين لكنه اصطدم بحالة التمزق السياسي التي كانت سائدة في المنطقة؛ فرأى ضرورة تجميع القوى الإسلامية، وحشد طاقاتها قبل القيام بأية خطوة إيجابية لمواجهة العدوان الصليبي، فنهض يعمل على ضم هذه القوى المشتتة.
وبعد أن خطا خطوات واسعة في هذا السبيل ونجح في ضم شمالي بلاد الشام إلى إمارة الموصل نهض ليتصدى للصليبيين, ونجح في تحقيق أهم إنجازاته التي بدأ بها صفحة جديدة في ميزان القوى بين المسلمين والصليبيين في المنطقة, وهي استعادته إمارة الرها من أيديهم. وكان لهذا النصر أهميته حيث أثبت قدرة المسلمين على مجابهة الخطر الصليبي، بالإضافة إلى أنه أَمَّنَ حرية الاتصال بين الموصل وحلب



نور الدين محمود..


ثم برز نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي كشخصية فذة؛ بدأ من حيث انتهى والده, وبذل جهدًا مضنيًا في سبيل إثارة الأمة, وبَعْثِ رُوحِ الجهاد والتضحية بين جميع أفرادها في مناطق الشرق الإسلامي, وقد ورث القسم الغربي من الدولة الزنكية مع المشكلتين الكبيرتين اللتين واجهتهما, والمتمثلتين في أتابكة دمشق الذين وقفوا حجر عثرة في وجه عماد الدين زنكي لتحقيق وحدة المسلمين في بلاد الشام, بالإضافة إلى الإمارات الصليبية المنتشرة في هذه البلاد.
وبعد أن نجح نور الدين محمود في توحيد قسمي بلاد الشام الإسلامية: الشمالي المتمثل بحلب, والجنوبي المتمثل بدمشق وسط هيمنة فعلية على الموصل, انطلق يجاهد الصليبيين، ويتصدى لتوسعاتهم على حساب المسلمين, ولعل أهم إنجازاته - إلى جانب تحقيق الوحدة الإسلامية, وجهاد الصليبيين - إسقاط الخلافة الفاطمية في مصر, وإعادة هذا البلد إلى حظيرة الخلافة العباسية والمذهب السني

وقد خلف نور الدين محمود بعد وفاته في عام (569 هـ= 1174 م) ابنه الملك الصالح إسماعيل الذي لم يكن على مستوى الأحداث بفعل صغر سنه, وافتقاره إلى الخبرة والتجربة.
وبرز من جهة أخرى صلاح الدين الأيوبي كَوَارِثٍ طبيعيٍّ، استطاع أن يملأ الفراغ القيادي الذي ظهر بعد وفاة نور الدين محمود, وبوفاة الملك الصالح إسماعيل عام (577 هـ= 1181 م) زال هذا القسم من الدولة الزنكية, ودخل في حُكْمِ صلاح الدين بعد صراع دامٍ مع دولة الموصل.


أصل الأيوبيين

أمّا عن أصول صلاح الدين الأيوبي، فإنَّ الأيوبيين ينتسبون إلى أيوب بن شادي من بلدة (دوين) الواقعة عند آخر حدود أذربيجان بالقرب من تفليس في أرمينية, وجميع أهل ذلك البلد من الأكراد. غير أن بعض الأيوبيين حاول أن يبتعد عن الأصل الكردي, وأن يلتصق بالدم العربي بعامة, وبنسل بني أمية بخاصة, وأنكروا نسبتهم إلى الأكراد, وقالوا: "إنما نحن عرب؛ نزلنا عند الأكراد, وتزوجنا منهم
لكن صلاح الدين أنكر هذا النسب العربي, وقال: "ليس لهذا الأصل أصلٌ"[3]ادعاء.. ولم يكن العادل الأيوبي أقل إنكارًا من أخيه صلاح الدين لهذا ال
ثم انتقلت الأسرة من (دوين) في بداية القرن السادس الهجري= الثاني عشر الميلادي, حين غادر شادي مع ابنيه: نجم الدين أيوب وأسد الدين شيركوه المنطقة إلى تكريت؛ حيث عينه شحنتها مجاهد الدين بَهْرُوز حاكمًا عليها؛ نظرًا لصلات الصداقة التي تربطهما, ولمَّا تُوُفِّيَ خلفه ابنه نجم الدين أيوب


صلاح الدين يتولى وزارة مصر

بعد وفاة نور الدين محمود, اضطربت الأوضاع في بلاد الشام بفعل الخلافات بين الأمراء؛ فاستغل الصليبيون ذلك, وهاجموا الأراضي الإسلامية؛ مما استدعى تدخل صلاح الدين, وحتى يعطي تدخله مبررًا شرعيًّا, ويحافظ على ما سوف يحققه من إنجازات, كتب إلى الخليفة العباسي, يصور له أوضاع بلاد الشام السياسية المضطربة, وتَوَثُّبَ الصليبيين عندما هاجموا الإسكندرية, وأوضح له سبب ضم اليمن, بأنه لضرب المهدي المبتدع, وأعقب كل ذلك برجائه من الخليفة أن يُنْعِمَ عليه بتقليد جامع لمصر والمغرب واليمن والشام, وكل ما تشتمل عليه ولاية نور الدين محمود, وكل ما يفتحه اللهُ للدولة على يديه؛ فاستجاب الخليفة لمطالبه.
وعلى الرغم مما توافر له من القوة التي فاقت قوة نور الدين محمود، كان صلاح الدين بحاجة إلى مساندة الخلافة في صراعه مع الأمراء المسلمين المناوئين, وبخاصة الزنكيين؛ لذلك كان يُطْلِعَ الخلافة على تحركاته ومنجزاته ليكسب تأييدها, وحتى لا يُتَّهَم بأنه يقاتل من أجل مطامع شخصية؛ فيخسر مساندة الخلافة له, ولكي لا يُتَّهَمَ بقتال المسلمين, وترك قتال الصليبيين.
ولكن في عهد الخليفة أبي العباس أحمد بن المستضيء شعر هذا بالقلق من تحركات صلاح الدين، وخشي أن يمتد نفوذه حتى عاصمة الخلافة؛ لذا اكتفى بتأييده ظاهريًّا، وبمساعدات قليلة حتى لا يزيده قوة

عندما استقر صلاح الدين في منصب الوزارة في مصر أعد نفسه لإحداث تغيير جذري وشامل داخل مصر في كافة المجالات, وكانت مهمته هي التصدي للمشكلات التي أثارها مركزه، فرغم أن التناقض الظاهر من وجود وزير سني لدى خليفة فاطمي لم يكن بالوضع الجديد؛ لأنه طيلة قرن تقريبًا كان هناك وزراء سنيون على مراحل متقطعة في مصر, لكن حركة الجهاد الإسلامي التي قادها نور الدين محمود تحت راية دولة الخلافة العباسية, بالإضافة إلى قيام وحدة فَعَّالة بين بلاد الشام ومصر تقف في وجه الصليبيين، حَتَّمت على نور الدين محمود وبالتالي صلاح الدين الالتزام بإعادة مصر إلى حظيرة الولاء للعباسيين, ولكن الضرورة دعته إلى تمهيد السبيل أمام التغيير رغم إلحاح نور الدين محمود وعتاب الخليفة العباسي؛ لأنه أدرك أن التغيير السريع لا بد أن يولد ردَّ فعلٍ فوري معاكس لا يمكن تدارك نتائجه
وضَمِنَت الخطوات التمهيدية العسكرية والاقتصادية والدينية التي نفذها إحكام قبضته على البلاد. ومع نهاية عام 566 هـ= 1171م وضحت أهداف صلاح الدين بحكم عقيدته السنية في إسقاط الدولة الفاطمية في مصر, وإقامة الخطبة للعباسيين.




أهداف صلاح الدين الإصلاحية

لم تكد تمضي أيامٌ على قطع الخطبة للفاطميين حتى توفي العاضد آخر الحكام الفاطميين, ليلة (العاشر من المحرم = 13 من أيلول)؛ فأمر صلاح الدين بإرسال الكتب إلى البلاد بوفاته, وإقامة الخطبة رسميًّا للخليفة العباسي المستضيء بأمر الله, وبذلك يكون صلاح الدين قد وضع نهاية للدولة الفاطمية في مصر، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخها عادت فيها هذه البلاد إلى العالم الإسلامي السُّني؛ لتؤدي تحت قيادة الأيوبيين دورًا مهمًّا في توحيد الجبهة الإسلامية ومواجهة الصليبيين، كما قام صلاح الدين بجهود كبيرة في إصلاح الأحوال الاجتماعية في مصر؛ فاهتم ببناء المنشآت كالمستشفيات، وإصلاح المرافق والطرق، والإنفاق على المرضى والمحتاجين، كما عمل على توفير الحماية لمصر من خلال بناء قلعة صلاح الدين، لصد الهجمات الآتية من قِبَل الصحراء.
ورغم ذلك رأى صلاح الدين أنه بحاجة إلى عمل خارجي لتحقيق ثلاثة أهداف:
الأول: توسيع رقعة الدولة الإسلامية.
الثاني: تحصين إنجازاته التي حققها في مصر.
الثالث: تأمين حدود بلاده حتى لا يؤخذ على غِرَّة.
وأسفرت جهوده عن ضم المغرب الأدنى وبلاد النوبة واليمن
أمَّا في الشام فقد أثارت وفاة نور الدين محمود مشكلة تقسيم دولته الواسعة بين ورثته؛ مما هدد الوحدة الإسلامية، وكادت هذه المشكلة أن تعود بالمسلمين إلى حالة التمزق والانقسام التي كانوا عليها قبل أن يبدأ عماد الدين زنكي جهوده لوضع قاعدة صلبة لتوحيد الجبهة الإسلامية والتصدي للصليبيين، ولم يكن بين رجال الأسرة الزنكية من يصلح أن يكون خلفًا لنور الدين محمود الذي لم يترك سوى ابنٍ طفلٍ في الحادية عشرة من عمره اسمه إسماعيل, وابنة صغيرة, وزوجة هي عصمة الدين خاتون.
اتفق الأمراء في دمشق بعد مناقشات مستفيضة على تنصيب الصالح إسماعيل ملكًا خَلَفًَا لوالده, وعيَّنوا شمس الدين محمد بن عبد الملك, المعروف بابن المقدم قائدًا للجيش, وأتابكًا له, وكتبوا إلى ولاة الأطراف بإقامة الخُطبة باسمه, وبخاصة صلاح الدين في مصر.



الاستعداد لمواجهة الصليبين

ثم أخذ صلاح الدين ينفذ سياسته, في إعادة بناء الجبهة الإسلامية المتحدة بحيث تمتد من شمالي العراق إلى بلاد الشام فمصر؛ ليتمكن - بعد ذلك - من البدء في حركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين, والمسلمون أشد ما يكونون قوةً وتماسكًا, ثم تابع تقدمه باتجاه الشمال؛ وجرت مفاوضات مع أمراء الزنكيين أسفرت عن أن يكون لصلاح الدين ما بيده من بلاد الشام, وللحلفاء الزنكيين ما بأيديهم, وأن تُضافَ إلى أملاكه بعض الأراضي الواقعة شمالي (حَمَاة) مثل: المَعَرَّة, وكفرطاب, وبعد توقيع الاتفاق رحل صلاح الدين عن حلب.
قام صلاح الدين بعد ذلك بضم حلب وآمد وسنجار وغيرها من المدن والحصون؛ في سبيله لإتمام الوحدة التي يستطيع بها مواجهة الصليبيين، وتحرير بيت المقدس.
في ذات الوقت كانت هناك محاولتان للتخلص من صلاح الدين قام بها طائفة الحشيشية بالتعاون مع الصليبيين؛ رغبةً من الحشيشية في الانتقام منه لإسقاطه الدولة العبيدية المنحرفة التي يدينون بدينها، وخوفًا – في نفس الوقت - من الصليبيين من أن يُتم صلاح الدين وحدة مصر والشام، ثم يفرغ لمواجهتهم


القبض على صليب الصلبوت

وظل فرسان الداوية والإسبتارية يقاتلون, في الوقت الذي فقدوا فيه الأمل بأي انتصار؛ فأمر صلاحُ الدينِ ابن أخيه تقي الدين عمر أن يهجم مع خيَّالته على الصليبيين الذين تضعضعت صفوفهم, واختل نظام جيشهم, وأشعل المسلمون خلال ذلك النيران في الأعشاب الجافة والأشواك؛ فحملت الريح لهيبها ودخانها باتجاه الصليبيين؛ فزادت من معاناتهم, واجتمع عليهم العطش, وحر الزمان, والنار والدخان والسيوف, وأدى ذلك إلى فرار من بقي منهم من ساحة المعركة إلى إحدى قرون حطين حيث شاهدوا تقي الدين عمر يقبض على صليب الصلبوت؛ فأُسْقِطَ في أيديهم, وكانت تلك أكبر خسارة تكبدوها.
وتجمع بعض الفرسان حول خيمة الملك لشن هجوم مضاد, لكن صلاح الدين عاجلهم؛ فاندفع المسلمون الذين صعدوا إلى التلة التي نُصِبَتْ فيها الخيمة وأنهوا المعركة, وأسروا كل من كان حول الملك وفيهم الملك نفسه وأخوه, ورينولد شاتيون صاحب الكَرَك, وجماعة من الداوية والإسبتارية, وكَثَُرَ القتلُ والأسرُ فيهم





الطريق إلى بيت المقدس
وأضحى الموقف العسكري شديد الخطورة على مملكة بيت المقدس, وإمارتي طرابلس وأنطاكية؛ إذ لم يبقَ أمامه - بعد أن دمر أعداءه - إلا أن يفتح حصون الأرض المقدسة, وبخاصة أنه نتج عن خسارة الصليبيين, الذين ألقوا بكل ثقلهم في معركة حطين, أن وقع عدد كبير من أمرائهم وقوادهم وفرسانهم في الأسر, وعلى رأسهم الملك جاي لوزينان, حتى لم يبق لديهم من يصلح للقيادة. يُضَافُ إلى ذلك أن الغرب الأوروبي لم ينتبه إلى الخطر قبل عام (583 هـ= 1187م)؛ ولذا فإن احتمال مجيء حملة صليبية سوف يستغرق زمنًا؛ لذلك شرع صلاح الدين يفتح المدن والحصون الصليبية واحدة بعد أخرى, فتحًا سريعًا ومتواصلاً, مُرَكِّزًا ضرباته المباشرة على الموانئ المهمة.
والواقع أن عملية الفتح لم تكن حربًا بالمعنى العسكري المفهوم للكلمة, بل أشبه بنزهة عسكرية؛ إذ كانت المقاومة ضعيفة, مما سَهَّل للمسلمين الانتشار والتقدم, فكانت المدينة أو القلعة تسارع إلى الاستسلام لمجرد وصول المسلمين إليها, وذلك لعدم وجود قوة تدافع عنها, وإذا قاومت فإن مقاومتها تبدو ضئيلة. وقد قام صلاح الدين في هذا الوقت بفتح قلعة طبرية، وفتح عكا، ومدن الجليل، والمدن الساحلية[4]. والواقع أنه لم ينقضِ شهر جُمَادَى الآخرة حتى لم يَبْقَ للنصارى جنوبي طرابلس سوى صور وعسقلان وغزة, وبضع قلاعٍ معزولة، بالإضافة إلى بيت المقدس.
ويبدو أن صلاح الدين تخلى عن حذره هذه المرة أيضًا, حين منح الصليبيين - بعد أن فتح المدن والحصون المشار إليها - حرية البقاء فيها أو الخروج منها، فذهب معظمهم إلى صور؛ ذلك أنه سرعان ما أدرك أن أمر هذه المدينة غدا صعبًا فتركها, وآثر الانصراف إلى غيرها؛ فقام بفتح عسقلان.
للمزيد من مواضيعي



_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الشجاع

عضو جديد  عضو جديد
avatar

الجنس : ذكر


العمر : 37
الموقع المدينة المنورة
التسجيل : 30/03/2012
عدد المساهمات : 15

مُساهمةموضوع: رد: قصة الدولة الأيوبية   الخميس 26 أبريل 2012, 6:37 am

فتح بيت المقدس

بعد أن فرغ صلاح الدين من فتح عسقلان والمدن المجاورة, تطلع إلى تحقيق هدفه الذي طالما جال بخاطره, وعمل له, وهو تحرير بيت المقدس تمهيدًا لطرد الصليبيين من المنطقة؛ فأخذ يستعد لتنفيذ هذه الخطوة, وحتى يقطع الطريق على احتمال هجوم صليبي بحري على الساحل الشامي أثناء حصاره لبيت المقدس؛ أرسل إلى قائد أسطوله في مصر حسام الدين لؤلؤ أن يخرج بأسطوله من مصر لحماية الشواطئ, وقطع الطريق على مراكب الصليبيين والاستيلاء عليها.
وبذلك يكون قد ضمن حماية مؤخرة جيشه البري، وأقفل حلقة الحصار على المدينة المقدسة؛ ومن ثَمَّ دعا أهلَها إلى إرسال وفد للتباحث في الشروط التي بمقتضاها تستسلم المدينة.
ويبدو أن سكان بيت المقدس قد أدركوا بعد تساقط المدن والمعاقل الداخلية والساحلية بيد صلاح الدين, أنهم أضحوا محاصرين فعلاً؛ فأرسلوا إليه وفدًا اجتمع به أمام عسقلان, فعرض عليهم تسليم المدينة بالشروط نفسها التي استسلمت بها بقية المدن والمعاقل الصليبية, أي يؤمنهم على أرواحهم ونسائهم وأولادهم وأموالهم, وأن يسمح لمن يشاء بالخروج من المدينة سالمًا, ولكن سكان بيت المقدس رفضوا أن يسلموا المدينة، عندئِذٍ أقسم صلاح الدين أنه سوف ينالها بحد السيف.
ثم كرر صلاح الدين عرضه على سكان بيت المقدس؛ وذلك رغبة منه في عدم استخدام العنف مع مدينة لها حرمتها وقدسيتها عند المسلمين والنصارى على السواء, لكنهم أصروا على موقفهم الرافض؛ عندئذٍ قرر صلاح الدين اقتحام المدينة عنوة.
واجتمع داخل المدينة ما بلغ ستين ألفًا بين فارس وراجل سوى النساء والأطفال, بل إن الصليبيين قاوموا الجيش الأيوبي الزاحف, واستطاعوا قتل أحد الأمراء وجماعة ممن كانوا معه.
وقد وصل صلاح الدين إلى المدينة في (15 من رجب عام 583 هـ= 20 من سبتمبر عام 1187م) وعسكر أمام أسوارها الشمالية, والشمالية الغربية, وشرع في مهاجمتها لكنه جُوبِه باستحكامات هذا الجانب المتينة المشحونة بالمقاتلين، بالإضافة إلى أشعة الشمس التي كانت تواجه عيون قواته فحجبت عنهم الرؤية الضرورية للقتال حتى بعد الظهر؛ لذلك طاف حول المدينة مدة خمسة أيام يبحث عن مكان يصلح للجيش أن يعسكر فيه إلى أن عثر على موضع في الجانب الشمالي نحو العمود وكنيسة صهيون, حيث الأسوار أقل متانة, فانتقل إلى هذه الناحية في (20 من رجب = 25 من أيلول), وحين حَلَّ الليلُ بدأ بنصب المجانيق.
وتراشق الطرفان بقذائف المجانيق، وقاتل أهل بيت المقدس بحميَّة وكذلك المسلمون، حيث كان كل فريق يرى ذلك دِينًا عليه, وحتمًا واجبًا فلا يحتاج فيه إلى باعث سلطاني.
ولما رأى الصليبيون شدة القتال, وشعروا بأنهم أشرفوا على الهلاك؛ عقدوا اجتماعًا للتشاور، فاتفقوا على طلب الأمان؛ فأرسلوا وفدًا إلى صلاح الدين من أجل هذه الغاية, واشترطوا احترام مَن في المدينة من الصليبيين, والسماح لمن يشاء بمغادرتها.
كانت هذه الشروط هي نفسها التي سبق لصلاح الدين أن عرضها عليهم من قَبْلُ, لكنه رفض قبولها الآن؛ لأنه أوشك أن يفتح المدينة عَنْوَةً, وقال: لا أفعل بكم إلا كما فعلتم بأهله حين ملكتموه سنة إحدى وتسعين وأربعمائة من القتل والسبي، وجزاء السيئة بمثلها.
وازداد موقف الصليبيين في الداخل سوءًا, وراحوا ينظرون بقلق إلى المصير الذي ينتظرهم, ولم يسعهم إلا أن يحاولوا مرة أخرى إقناع صلاح الدين بالعفو عنهم, ولكن صلاح الدين سبق له أن أقسم بأنه سوف يفتح بيت المقدس بحد السيف, ولن يحله من قسمه سوى إذعان المدينة بدون قيد أو شرط.


في ذكرى الإسراء تم الفتح

وتجاه هذا الإصرار, وبعد أن استشار مجلس حربه في الموقف, تقرر السماح للصليبيين بمغادرة المدينة مقابل عشرة دنانير عن الرجل يستوي فيها الغني والفقير, وخمسة دنانير عن المرأة, ودينارين عن الطفل, ومن يبقَ فيها يقعْ في الأسر, واشترط أن يُدْفَعَ الفداءُ المفروضُ في مدى أربعين يومًا, ومن لم يُؤَدِّ فداءَه خلال تلك المدة يصبحْ مملوكًا, لكن تبين أن في المدينة نحو عشرين ألف فقير ليس بحوزتهم المبلغ المقرر للفداء؛ فوافق صلاحُ الدين أن يدفع باليان مبلغًا إجماليًّا قدره ثلاثون ألف دينارٍ عن ثمانيةَ عشرَ ألفًا منهم.
ودخل صلاح الدين المدينة يوم الجمعة (27 من رجب= 2 من تشرين الأول), وشاءت الظروف أن يصادف ذلك اليوم في التاريخ الهجري، ذكرى ليلة الإسراء والمعراج.


أصداء فتح بيت المقدس تهز أوروبا

ما كاد القتال ينتهي في حطين, وتتحقق خسارة الصليبيين, حتى أسرعت الرسل إلى غرب أوروبا لإعلام ملوكها وأمرائها بما آلت إليه أوضاع الصليبيين في الشرق, ولم يلبث أن اقتفى أثرهم رسلٌ آخرون عقب فتح بيت المقدس.
والواقع أن تلك الخسارة وهذا الفتح أحدثا ردَّ فعل عنيف في المجتمع الغربي الذي ذُعِرَ لنبأ الكارثتين, واعتقد النصارى في الغرب أنهما جاءتا نتيجة إهمالهم في الاستجابة للاستغاثات المتكررة التي جاءت من مملكة بيت المقدس في السنوات الأخيرة.
وأدرك من اجتمع في (صور) من الصليبيين أنه ما لم تصلهم نجدة من الغرب, فإن فرص الاحتفاظ (بصور) ستتضاءل بعد أن ضاع كل أمل في استعادة المناطق التي فقدوها, ولم يلبث (كونراد دي مونتفيرات) أن أرسل (جوسياس) رئيس أساقفة (صور) إلى غرب أوروبا في منتصف عام (583 هـ= أواخر صيف عام 1187م)؛ ليطلب من البابا وملوك أوروبا وأمرائها النجدة العاجلة.


تنازع أيوبي على السلطة

ترك صلاح الدين بعد وفاته في عام (589 هـ= 1193م) دولة واسعة الأرجاء, وسبعة عشر ولدًا وبنتًا واحدة.
وكان صلاح الدين - رحمه الله – قد وزَّع خلال حياته السياسية البلاد الواقعة تحت سيطرته على أفراد عائلته؛ مانحًا إياهم سلطات فعلية لممارسة السيادة؛ فتقاسم هؤلاء التركة الصلاحية بعد وفاته في ظل ما حدث من المؤامرات والحروب بينهم, إذ أن كلاًّ منهم يطمع في أن يكون نصيبه يضارع نصيب جاره أو يفوقه, بالإضافة إلى تَزَعُّمِ العائلة الأيوبية.
وقد أخذت الجبهة الإسلامية في التداعي بعد وفاة صلاح الدين عام (589 هـ= 1193م)، ولم تلبث أن نشبت حرب الوراثة بين أبناء البيت الأيوبي, فاتفق أمراء الشام على ألا يعترفوا بسيادة العزيز عثمان صاحب مصر الذي اتصف بالطموح السياسي, وزعم أن له السيادة عليهم جميعًا, وكان هذا الرفض نابعًا من أهمية دور دمشق في توجيه السياسة الأيوبية, غير أن الأفضل عليّ صاحب دمشق اتصف بسوء السيرة؛ فقد احتجب عن الرعية, واشتغل بلهوه مما أدى إلى كراهية الناس له؛ فقد وضع ثقته في وزيره ضياء الدين بن الأثير، فأساء التصرف في أمور الرعية, وخالف نهج والده في الحكم؛ فأقصى أمراء والده ومستشاريه بتأثير من وزيره؛ فهرب هؤلاء إلى القاهرة مستنجدين بالعزيز عثمان الذي رفعهم وأعزهم، فالتفوا من حوله, واعترفوا به زعيمًا على الأيوبيين.


العادل يعيد توحيد الدولة بنفس الخطأ

مَرَّتْ الدولة الأيوبية خلال تلك الفترة بعدة تطورات سريعة انتهت بتوحيدها مرة أخرى تحت زعامة العادل أخي صلاح الدين بعد صراعات طويلة بين أبناء صلاح الدين فيما بينهم، وبينهم من جهة وبين عمهم العادل من جهة أخرى.
وهكذا أعاد العادل توحيد الدولة الأيوبية تحت سلطانه, ولكنه ارتكب الخطأ نفسه الذي ارتكبه صلاح الدين عندما وَزَّعَ إرثه بين أولاده وإخوته؛ مما أَدَّى إلى إضعاف الأيوبيين؛ لأن هذا التوزيع سَبَّبَ التنافر والتحاسد بين الإخوة, وأعاد من جديد المأساة التي حدثت بعد وفاة صلاح الدين


نجم الدين أيوب

نقفز خمسين سنة من الصراع، ونصل إلى السنوات العشر الأخيرة من الدولة الأيوبية، وبالتحديد إلى سنة 637 هجرية، وذلك حين تولى عرش مصر السلطان الأيوبي (الصالح نجم الدين أيوب)،أو (الملك الصالح)، والذي يُعَدُّ من أفضل السلاطين الأيوبيين بعد صلاح الدين.
لقد تولى الملك الصالح أيوب حكم مصر سنة 637 هجرية، وكالعادة الجارية في تلك الأيام استعدَّ الأمراء الأيوبيون في الشام للتقاتل معه على خلافة مصر، وحدثت بينهم مناوشات وحروب، وبلغ الأمر مداه في سنة 641 هجرية عندما توحدت قوى الأيوبيين المتناثرة في الشام، وتحالفت مع الصليبيين لحرب الملك الصالح أيوب!! وذلك في مقابل أن يتنازل أمراء الشام الأيوبيون عن بيت المقدس للصليبيين!!
وتوحدت قوى أمراء الشام الأيوبيين مع الصليبيين في جيش كبير، وبدأ الزحف في اتجاه مصر فأعد الملك الصالح جيشه، ووضع على قيادته أكفأ قادته وهو ركن الدين بيبرس، واستعد للمواجهة، وكان الجيش المصري قليلاً وضعيفًا إذا قورن بالأعداد الكبيرة لجيوش الشام والصليبيين؛ ولذلك استعان الملك الصالح بالجنود الخوارزمية الذين كانوا قد فَرُّوا من قَبلُ من منطقة خوارزم بعد الاجتياح التتري لها, وكان هؤلاء الجنود الخوارزمية جنودًا مرتزقة بمعنى الكلمة؛ بمعنى أنهم يتعاونون مع من يدفع أكثر، ويعرضون خدماتهم العسكرية في مقابل المال؛ فاستعان بهم الملك الصالح أيوب بالأجرة، ودارت موقعة كبيرة بين جيش الملك الصالح أيوب وبين قوى التحالف الأيوبية الصليبية، وعُرِفَت هذه الموقعة باسم موقعة غزة، وكانت في سنة 642هجرية، وانتصر فيها الملك الصالح انتصارًا باهرًا، وقُتِلَ من الصليبيين أعدادٌ كبيرة وصلت إلى ثلاثين ألف مقاتل، وأُسِرَت مجموعةٌ كبيرة من أمرائهم وملوكهم، وكذلك أُسِرَت مجموعةٌ من أمراء الأيوبيين، واستغل الصالح أيوب الفرصة, واتجه إلى بيت المقدس الذي كان الأيوبيون في الشام قد تنازلوا عنه للصليبيين، فاقتحم حصون الصليبيين، وحرَّرَ المدينة المباركة بجيشه المدعم بالخوارزمية في سنة 643 هجرية، وبذلك حُرِّرَ بيتُ المقدسِ نهائيًّا، ولم يستطع جيش نصراني أن يدخله أبدًا لمدة سبعة قرون كاملة، إلى أن دخلته الجيوش البريطانية في الحرب العالمية الأولى في يوم 16مننوفمبر سنة 1917 ميلادية، وذلك بالخيانة المعروفة لمصطفى كمال أتاتورك.
ثم إن الملك الصالح أيوب أكمل طريقه في اتجاه الشمال، ودخل دمشق، ووحَّد مصر والشام من جديد، بل اتجه إلى تحرير بعض المدن الإسلامية الواقعة تحت السيطرة الصليبية، فحَرَّرَ بالفعل طبرية وعسقلان وغيرهما.

المماليك البحرية

غير أنه حدث تطور خطير جدًّا في جيش الصالح أيوب رحمه الله، حيث انشقت عن جيشه فرقة الخوارزمية المأجورة، وذلك بعد أن استمالها أحد الأمراء الأيوبيين بالشام مقابل دفع مال أكثر من المال الذي يدفعه لهم الصالح أيوب، ولم تكتفِ هذه الفرقة بالخروج، بل حاربت الصالح أيوب نفسه، ولم يثبت معه في هذه الحرب إلا جيشه الأساسي الذي أتى به من مصر، وعلى رأسه قائده المُحَنَّك ركن الدين بيبرس.
وخرج الصالح أيوب من هذه الحرب المؤسفة وقد أدرك أنه لا بد أن يعتمد على الجيش الذي يدين له بالولاء لشخصه لا لماله، فبدأ في الاعتماد على طائفة جديدة من الجنود بدلاً من الخوارزمية، وكانت هذه الطائفة هي (المماليك).
وقد زاد عدد المماليك الصالحية (نسبة إلى الملك الصالح)، وقوي نفوذهم وشأنهم في عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب، حتى بنى لنفسه قصرًا على النيل، وبنى للمماليك قلعة إلى جواره تمامًا، وكان القصر والقلعة في منطقة الروضة بالقاهرة، وكان النيل يعرف بالبحر؛ ولذلك اشتهرت تسمية المماليك الصالحية (بالمماليك البحرية)؛ لأنهم يسكنون بجوار البحر.
وهكذا وطَّد الملك الصالح أيوب ملكه بالاستعانة بالمماليك الذين وصلوا إلى أرقى المناصب في جيشه وفي دولته، وتولى قيادة الجيش في عهده أحد المماليك البارزين اسمه (فارس الدين أقطاي)، وكان الذي يليه في الدرجة هو ركن الدين بيبرس، فهما بذلك من المماليك البحرية.


الانتصار في معركة المنصورة الكبيرة

لقد كتمت شجرة الدرِّ خبر وفات الملك الصالح ، وقالت: إن الأطباء منعوا زيارته. وأرسلت بسرعة إلى ابن الصالح أيوب، والذي كان يحكم مدينة تعرف (بحصن كيفا) في تركيا الآن، وكان اسمه (توران شاه بن نجم الدين أيوب)، وأبلغته بخبر وفاة أبيه، وأَنَّ عليه أن يأتي بسرعة لاستلام مقاليد الحكم في مصر والشام، ثم اتفقت مع كبير وزراء الملك الصالح, وكان اسمه (فخر الدين يوسف) على إدارة الأمور إلى أن يأتي توران شاه، ثم كلفت فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس بالاستمرار في الإعداد للمعركة الفاصلة في المنصورة، وهكذا سارت الأمور بصورة طيبة بعد وفاة الملك الصالح، ولم يحدث الاضطراب المتوقع نتيجة هذه الوفاة المفاجئة، وفي هذه الظروف الصعبة.
ومع كل احتياطات شجرة الدرِّ إلا أن خبر وفاة الملك الصالح أيوب تسرب إلى الشعب، بل ووصل إلى الصليبيين، مِمَّا أدى إلى ارتفاع حماسة الصليبيين، وانخفاض معنويات الجيش المصري، وإن ظل ثابتًا في منطقة المنصورة.
ووضع فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس خطة بارعة لمقابلة الجيش الفرنسي في المنصورة، وعرضاها على شجرة الدر، وكانت شجرة الدرِّ تمثل الحاكم الفعلي لحين قدوم توران شاه ابن الصالح أيوب. وأقرت شجرة الدرِّ الخطة، وأخذ الجيش المصري مواقعه، واستعد لِلِّقاء.

وفي اليوم الرابع من ذي القعدة من سنة 647 هجرية دارت موقعة المنصورة العظيمة، وانتصر فيها المسلمون انتصارًا باهرًا.
وبعد أن وصل توران شاه إلى المنصورة في السابع عشر من ذي القعدة سنة 647 هجرية، وتسلم السلطان الشاب مقاليد الحكم، وأُعْلِنَ رسميًّا وفاةُ الملك الصالح نجم الدين أيوب، وولاية توران شاه حكم مصر والشام.
بدأ توران شاه في التخطيط لهجوم جديد على الصليبيين، وبعد خطة بارعة استطاع الجيش المصري أن يلتقي مرة أخرى مع الصليبيين، عند مدينة (فارسكور)في أوائل المحرم سنة 648هجرية، بعد أقل من شهرين من موقعة المنصورة الكبيرة! ودارت هناك معركة هائلة تحطم فيها الجيش الصليبي تمامًا، بل وأسر الملك لويس التاسع نفسه، ووقع جيشه بكامله ما بين قتيل وأسير، وسِيقَ الملك لويس مكبلاً بالأغلال إلى المنصورة، حيث حبس في دار (فخر الدين إبراهيم ابن لقمان).
ووُضِعَت شروطٌ قاسيةٌ على الملك لويس التاسع ليفتدي نفسه من الأسر، وكان من ضمنها أن يفتدي نفسه بثمانمائة ألف دينار من الذهب، يدفع نصفها حالاً ونصفها مستقبلاً، على أن يحتفظ توران شاه بالأسرى الصليبيين إلى أن يتم دفع بقية الفدية، بالإضافة إلى إطلاق سراح الأسرى المسلمين، وتسليم دمياط للمسلمين، وهدنة بين الفريقين لمدة عشر سنوات.
وتم بالفعل جمع نصف الفدية بصعوبة، وأُطْلِقَ سراح الملك لويس التاسع إلى عكا، وكانت إمارة صليبية في ذلك الوقت، نسأل الله أن يحررها من دنس اليهود الآن


نهاية الدولة الأيوبية


اتفقت شجرة الدرِّ مع فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس وغيرهما من المماليك الصالحية البحرية على قتل (توران شاه)، وبالفعل تمت الجريمة في يوم 27 من المحرم سنة 648 هجرية، أي بعد سبعين يومًا فقط من قدومه من حصن كيفا واعتلائه عرش مصر، وكأنه لم يقطع كل هذه المسافات لكي (يحكم)بل لكي (يُدفَن)!!
وهكذا بمقتل (توران شاه)انتهى حكم الأيوبيين تمامًا في مصر، وبذلك أُغْلِقَتْ صفحة مهمة من صفحات التاريخ الإسلامي.

لقد أسَّسَ البطل الإسلامي العظيم صلاح الدين الأيوبي دولة الأيوبيين في سنة 569 هجرية، وظل يحكم هذه الدولة عشرين سنة إلى سنة 589 هجرية, ووَحَّدَ في هذه الفترة مصر والشام, وتَزَعَّمَ الجهاد ضد الممالك الصليبية باقتدار، وحقَّقَ عليهم انتصاراتٍ هائلة، والتي من أشهرها موقعة حطين الخالدة في ربيع الآخِر سنة 583 هجرية، وفَتْحِ بيت المقدس بعد حطين بثلاثة شهور فقط في رجب من نفس السنة، وترك صلاح الدين الأيوبي - رحمه الله - دولة قوية عظيمة تبسط سيطرتها على مصر والشام والحجاز واليمن وأعالي العراق, وأجزاء من تركيا, وأجزاء من ليبيا والنوبة، وحُصِرَ الصليبيون في ساحل ضيق على البحر الأبيض المتوسط في الشام.
لكن ـ سبحان الله ـ بوفاة صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تَقَلَّصَ دور الجهاد ضد الصليبيين، وفُتِنَ المسلمون بالدولة الكبيرة، وكَثُرَتِ الأموال، وانفتحت الدنيا، واتسعت البلاد، وكان من جَرَّاءِ هذه العوامل وغيرها أن حدثت انقسامات شديدة في الدولة الأيوبية، وتَفَكَّكَتِ الدولة الأيوبية بعد وفاة صلاح الدين الأيوبي رحمه الله.
ولسنا بصدد التفصيل في هذه الخلافات والصراعات والاستقلالات، ولكن نذكر هنا أن الصراع بين أمراء الأيوبيين استمر نحو ستين سنة متصلة منذ موت صلاح الدين الأيوبي في سنة 589هجرية، وإلى انتهاء الدولة الأيوبية في سنة 648 هجرية، ولم يكن هذا الصراعُ صراعَ كلامٍ وسبابٍ وشقاقٍ فقط،بل كان يصل إلى حد التقاتل بالسيوف، وإراقة الدماء المسلمة، وأَدَّى ذلك إلى الفُرْقَة الشديدة، والتشرذم المقيت، بل كان يصل أحيانًا الخلاف وانعدام الرؤية إلى درجة التعاون مع الصليبيين ضد المسلمين!! أو التعاون مع التتار ضد المسلمين!! وكل هذا من جَرَّاء الوقوع تحت فتنة الدنيا الرهيبة التي طالما حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى ابن ماجه والطبراني وابن حبان بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من كانت الدنيا همه فَرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِبَ له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة".
صدقت ـ والله ـ يا رسول الله.
لقد جعل صلاح الدين الأيوبي - رحمه الله - الجهاد نصب عينيه، وجعل له هدفًا واحدًا هو قتال الصليبيين، وإعلاء كلمة الدين، فجمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا - فعلاً - وهي راغمة، أمَّا معظم السلاطين الذين جاءوا من بعده فقد جعلوا الدنيا أكبر همهم، فتفرق عليهم الأمر تمامًا، فما عادوا يدركون الصواب من الخطأ، ولا الحق من الباطل، فتارة مع المسلمين، وتارة مع الصليبيين، وتارة مع التتار، فجعل الله فقرهم بين أعينهم، فمنهم من مات ذليلاً، ومنهم من مات فقيرًا، ومنهم من مات طريدًا، ومنهم من مات حبيسًا. كان هذا هو واقع المسلمين في معظم الفترة التي تلت حكم البطل الكبير صلاح الدين الأيوبي رحمه الله
وهكذا انتهى حكم الأيوبيين لمصر، وبدأت حقبة جديدة في ظل دولة أخرى هي دولة المماليك.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
قصة الدولة الأيوبية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
۞ منتديات كنوز الإبداع ۞ :: ۞ المنتديات الإسلامية ۞ ::  ۩ سيرة الأنبياء والصحابة والتاريخ الإسلامي ۩-
انتقل الى: