۞ منتديات كنوز الإبداع ۞


 
الرئيسيةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولاليومية

شاطر | 
 

  【♣】◄ البصريات والواقعية في فن عصر النهضة ►【♣】

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
إبن سينا

عضو مبدع  عضو مبدع


الجنس : ذكر


العمر : 40
الموقع صفحات التاريخ
التسجيل : 05/09/2011
عدد المساهمات : 297

مُساهمةموضوع: 【♣】◄ البصريات والواقعية في فن عصر النهضة ►【♣】   الثلاثاء 15 نوفمبر 2011, 9:51 pm



【♣】◄ البصريات والواقعية في فن عصر النهضة ►【♣】


حسب نظرية ذاع صيتها، فقد بلغ فنانو القرن الخامس عشر مستوى جديدا من الواقعية بمساعدة العدسات والمرايا، ولكنَّ اكتشافات حديثة تثير الشكوك حول ذلك.
David G. Stork


عندما ندرس المسار الأساسي لفن التصوير الغربي فإننا سنلاحظ حدوث أمر بالغ الأهمية في بداية عصر النهضة. فقبل عام 1425 تقريبا كانت معظم اللوحات شبيهة بالمنمنمات أو بالرسوم التخطيطية، ولكننا نرى أن بعض لوحات الفترة التالية أخذت واقعية شبه فوتوغرافية. فعلى سبيل المثال، تكشف لوحة< G .أرنولفيني> وزوجته التي رسمها فنان عصر النهضة المبكر < V.J. ڤان إيك> (1390?-1441) عن ثلاثية في الأبعاد وعن حضور وشخصية وعمق نفسي كانت غائبة في الأعمال الفنية السابقة، فلأول مرة نجد صور أشخاص تشبهنا حقا، فما الذي حدث إذًا؟

وفي محاولته شرح نشأة ذلك الفن الجديد اللافت للانتباه (أو ما عُرف بالاسم الشائع ars nova) قدم الفنان المعاصر الذائع الصيت < D .هوكني>(1) نظرية جريئة ومتناقضة، فقد ادعى أن لوحات عصر النهضة تبدو واقعية ـ أي تحمل ما يسميه «المظهر البصري » ـ لأن الفنانين استعملوا عدسات ومرايا لإسقاط الصور على القماش أو ما شابه ذلك ثم خططوا رسومهم ولونوها فوق ذلك. [ملاحظة الناشر: هذه النظرية معروضة بشكل مفصل في كتاب< هوكني> المدرج ضمن مراجع المقالة «المعرفة الخافية: إعادة اكتشاف الطرائق المنسية للفنانين القدماء» المنشور عام 2001].

ومن المعروف أن بعض فناني القرنين الثامن عشر والتاسع عشر استعملوا صورا مسقطة على القماش ثم رسموها لاحقا، ولكن نظرية< هوكني> ترجع هذه الطريقة إلى ما قبل ذلك بنحو مئتين وخمسين سنة. وقد كانت هذه التجهيزات الضوئية والطرائق الملازمة لها مهمة جدا لنظرية< هوكني> إلى حد قوله بأن تاريخ الفن مرتبط بشكل وثيق الصلة منذ ذلك الوقت بتاريخ البصريات نفسها.

وبغية فحص هذه النظرية قمت مع بعض الزملاء باستعمال طرائق الرؤية البصرية والحاسوبية لتقييم لوحتين من أعمال< ڤان إيك> يقدمهما< هوكني> وزميله < C.فالكو> [وهو فيزيائي في جامعة أريزونا، الأمريكية] كدليل دامغ على نظريته. وفي هذه المقالة أعرض النتائج التي وجدناها والتي تمثل نموذجا عن قائمة طويلة من حجج نظريته.





إسقاط الصورة بوساطة مرآة

وفقا لما يقوله< هوكني> استعمل بعض الفنانين منذ عام 1425 حجرة مظلمة Camera obscura، والحجرة المظلمة ذات العدسة هي الشكل البدائي لآلة التصوير الحديثة ولكن من دون فيلم، وهي تتألف من عدسة مجمّعة (لامّة) converging تُسقط صورة حقيقية مقلوبة لمشهد على شاشة (تدعى الصورة المعروضة «حقيقية» لأن الضوء يسقط فعلا على الشاشة كما هي الحال في الصورة التي تسقط على فيلم آلة التصوير، أما الصورة التخيلية فتحدث فقط عندما يبدو الضوء صادرا عن الصورة، على غرار صورة الوجه في المرآة مثلا.)



<G. أرنولفيني> وزوجته (في الصفحة المقابلة) رسمها <J. ڤان إيك> عام 1434 بالألوان الزيتية على لوح من خشب السنديان، وهي مذكورة من قبل الفنان <D. هوكني> كدليل على وصول فناني عصر النهضة المبكر إلى واقعية مفرطة عبر تخطيط الصور المسقطة بوساطة عدسات أو مرايا ثم ملء مابين الخطوط بالألوان. يطرح مؤلف المقالة أسئلة تقانية عن هذه النظرية عبر فحص مختلف تفاصيل لوحة <ڤان إيك> (المشار إليها آنفا) في الصفحات التالية.


ونظرا للعديد من الأسباب التاريخية والثقافية تصور <هوكني> آلة تصوير بدائية لا تستند إلى عدسة بل إلى مرآة مقعرة (ينحني سطحها نحو الداخل مثل مرآة الحلاقة) يمكنها إسقاط صورة على شاشة أيضا. وبهذه الكيفية يضئ الفنان موضوعه بضوء الشمس ويوجِّه المرآة إلى الموضوع لإسقاط صورة حقيقية مقلوبة على القماش أو لوح الخشب. وهكذا سيكون بوسع الفنان إما رسم كفاف (الخطوط المحيطة) الصورة ثم وضع الألوان عليها أو تلوين الصورة مباشرة، على الرغم من إقرار< هوكني> بالصعوبة البالغة للرسم تحت الصور المسقطة.

إن هذا النوع من آلات التصوير المعتمدة على المرايا بسيط بمقاييس عصرنا؛ غير أنه يمثل المنظومة البصرية الأكثر تعقيدا في عصر< ڤان إيك>، فهي تتطلب دقة عالية في شكل المرآة وفي توضعها، كما أنها تستدعي إضاءة أكثر من أي منظومة بصرية أخرى. ولم أعثر على أي إشارة من علماء أو فنانين أو من يرعون الفنون أو رجال الدين أو صناع المرايا إلى شخصٍ شاهد صورة جسم مضاء مسقط على شاشة بوساطة مرآة أو عدسة. ونظرا لوجود كم كبير من الوثائق الباقية عن جميع طرائق المنظومات البصرية الأخرى وعن الأدوات الميكانيكية للرسم فإنه يصعب تفسير غياب الدليل على وجود جهاز الإسقاط الذي تصوره <هوكني>.


كيف تعمل مرآة الإسقاط؟

تُسقط مرآة مقعرة صورة مقلوبة للجسم على شاشة تبعد مسافة معينة عن المرآة (في الأسفل إلى اليسار). يمكن أن تعد المرايا المقعرة كمقاطع من كرة (في الأسفل إلى اليمين). يساوي البعد البؤري للمرآة المقطوعة من الكرة ربع قطر الكرة. والبعد البؤري هو المسافة بين المرآة والبؤرة (وهي النقطة التي تتلاقى فيها الأشعة المتوازية الواردة على المرآة). تربط إحدى المعادلات بين مسافات تباعد الجسم والمرآة والصورة المسقَطة، وهذا يجعلنا نحصل على تفاصيل مثل موضع المرآة وبعدها البؤري.





وقد فحصتُ ثلاث خواص تقانية أساسية لجهاز الإسقاط المستند إلى المرآة المقعرة الذي يقترحه< هوكني>. الأولى هي البُعد البؤري focal length: تعكس المرآة المقعرة أشعة الضوء المتوازية بحيث تتلاقى فيما يعرف بالبؤرة focal point (إذا حاولنا استعمال هذه المرآة لإشعال النار باستعمال ضوء الشمس فيجب وضع الفتيل عند البؤرة)، حيث تدعى المسافة بين المرآة والبؤرة البُعد البؤري. تُعرِّف معادلة رياضياتية (معادلة المرآة) المسافات بين الجسم والمرآة وسطح الإسقاط بحيث نحصل على صورة واضحة للجسم على هذا السطح. وفي المقابل، تحدد هذه المسافات طول الصورة المسقطة. فعلى سبيل المثال، يختار المصور عدسة مقرِّبة telephoto لتصوير لاعب كرة قدم ليجعل صورته أكبر ويستعمل عدسة عريضة الزاوية، أو ما يسمى عدسة «عين السمكة»، ليصور المتفرجين في الملعب. وتتعلق الخاصة الثانية بما يسمى وضوح الصورة المعروضة التي تعتمد على البعد البؤري وعلى مدى صقل سطح المرآة. أما الخاصة الثالثة فهي المنظور الهندسي: تتبع الصورة المسقطة قوانين المنظور بشكل مشابه لحالة الصورة الفوتوغرافية.

تعدُّ لوحة< ڤان إيك> «جيوڤاني أرنولفيني وزوجته» المرسومة عام 1434 (وهي إحدى الروائع الأولى لعصر النهضة في شمال أوروبا) ركيزة أساسية في نظرية <هوكني>. يمكن قول الكثير عن الرمزية والمعنى في هذه اللوحة الرائعة، بيد أني سأركز انتباهي على بضعة سنتيمترات مربعة في وسطها. وفي حين أن مؤرخي الفن سيتناقشون كيف تنم روعة الثريا عن الثروة والمقام الرفيع لرجل الأعمال الإيطالي الذي كان في زيارة لهولندا، فإنني سأبين كيف تكشف هذه الثريا الكثير عن المنظور الهندسي وعن الإسقاطات.

وينبهنا مؤرخو الفن بحق إلى عدم أخذ لوحة <أرنولفيني> أو غيرها من ذلك العهد بواقعية مفرطة، ولكن إذا أردنا الحكم على نظرية الإسقاط فيجب علينا الافتراض مع <هوكني >أن اللوحة تستند إلى نسخة دقيقة من الصورة المسقطة.

دعونا ننظر أولا إلى المرآة المحدبة التي ربما تعد أشهر المرايا المستعملة في الفنون. من الشائع اليوم وجود هذه المرايا في المخازن أو عند تقاطعات الطرق ذات الرؤية المحدودة، فهي توفر مجالا أعرض للرؤية. وعلى العكس من المرايا المقعرة، تنتج المرايا المحدبة صورا تخيلية ومعتدلة أصغر من الجسم الأصلي ولكن لا يمكن إسقاطها على شاشة. ولكن< هوكني> يخمن أنه يمكن تدوير المرآة المحدبة بحيث تستعمل كمرآة إسقاط مقعَّرة، ويقول: إذا عُكس التفضيض ودوِّرت المرآة فسيكون ذلك كل ما تحتاج إليه للحصول على صورة دقيقة وطبيعية المظهر.


نظرة إجمالية / لتحليل <ڤان إيك>

▪ قدم الفنان<D. هوكني> نظرية تفترض أن بعض الفنانين استعملوا أجهزة بصرية (عدسات ومرايا) في إنجاز لوحاتهم ابتداء من عام 1425.

▪ بين اللوحات المقدمة كدليل على هذه النظرية هناك لوحتان لـ <ڤان إيك> من النصف الأول للقرن الخامس عشر.

▪ طرح التحليل العلمي لكلتا اللوحتين، بما في ذلك استعمال طرائق الرؤية الحاسوبية وانعكاس الأشعة تحت الحمراء، تساؤلات عن هذه النظرية.

لفحص هذه الفرضية حسبت البعد البؤري للمرآة المفترض استعمالها للإسقاط والبعد البؤري للمرآة المقعرة الناشئة عن تدوير المرآة المحدبة، ثم قارنت بين هذين البعدين البؤريين فوجدت أن البعد البؤري لمرآة الإسقاط سيكون 61±8سم. ويأتي الشك في النتيجة من عدم معرفتي الدقيقة بقدود الأجسام ومواضعها في الغرفة. ويبلغ البعد البؤري للمرآة المقعرة الناتجة من تدوير المرآة المحدبة 18±4 سم. يختلف البعد البؤري لهذه المرآة المقلوبة عن البعد البؤري لمرآة الإسقاط المفترضة بنحو 43 سم، وهكذا لا يمكن استعمال المرآة المحدبة المدورة كمرآة إسقاط لمجمل اللوحة.


مرآة غرفة <أرنولفيني >

لفحص مقولة <هوكني> التي تنص على أنه من الممكن تفضيض مرآة محدبة في لوحة< ڤان إيك> «صورة أرنولفيني» ثم قلبها واستعمالها كمرآة إسقاط مقعرة، خمّن المؤلف في البداية قدود الأجسام ومواضعها في الغرفة. ثم استعمل قواعد البصريات الهندسية لتحديد موضع مرآة الإسقاط والحامل اللذين يعطيان القدود التي نجدها في لوحة <ڤان إيك> [انظر النمذجة الحاسوبية في الأسفل]. أخيرا، طبق معادلة المرآة لإيجاد البعد البؤري لمرآة الإسقاط، وقد أعطت نتائجه بعدا بؤريا يقارب 61 سم. إذا اقتُطعت المرآة من كرة فسيبلغ قطر هذه الأخيرة 2.4 متر (الكرة ـ المرسومة باللون الأحمر). يبين تحليل الصور في مرآة الحائط الخلفي (في الأسفل من اليسار) أن البعد البؤري يقارب 18سم، وهذا يدل على احتمال اقتطاعها من كرة يبلغ قطرها 0.7 متر (الكرة الزرقاء). ولذلك لايمكن أن تكون المرآة المحدبة في اللوحة قد استعملت بالمقلوب كمرآة إسقاط مقعرة. وقد بينت حسابات وتجارب أخرى أن الإضاءة غير المباشرة لغرفة <أرنولفيني> كانت خافتة بحيث لا يمكن إسقاط صورة تخطيطية وأن أي صورة مسقطة ستكون، إضافة إلى ذلك، ضبابية بحيث لاتعطي تفاصيل دقيقة (في الأسفل إلى اليمين).


http://www.oloommagazine.com/images/Articles/21/SCI2005b21N5-6_H06_004052.jpg


إذا كانت المرآة المحدبة في لوحة < ڤان إيك>قد دورت بهدف الإسقاط فسيبلغ قطر البقعة الدنيا فيها (وهي أصغر بقعة ضوئية على الشاشة ناتجة من نقطة من الموضوع) نحو 1 سم، وهو قطر يتجاوز بكثير التفاصيل الدقيقة الموجودة في اللوحة.





لإيجاد البعد البؤري لمرآة<ڤان إيك> استعمل المؤلف طريقة حاسوبية طورها <A .كريمينيسي> [الباحث في مركز بحوث مايكروسوفت في كمبريدج بإنكلترا] و<M .كمب> [الباحث في جامعة أكسفورد]

و<S. كانگ> [الباحث في مركز بحوث مايكروسوفت في ردموند بالولايات المتحدة]. وهكذا استطاع تحديد نصف قطر تقوس المرآة اللازم لإرجاع الصورة المرسومة إلى حالها السوية، أي بحيث تبدو حزم الضوء وعضادات الأبواب مستقيمة. يبين نصف قطر التقوس الناتج من هذه الطريقة أن البعد البؤري للمرآة في اللوحة يبلغ نحو 18 سم.





إن صنع مرآة حسب المواصفات المطلوبة تقتطع من كرة زجاج منفوخ أمر يتجاوز مقدرة حرفيي عصر النهضة. يساوي قطر الكرة أربع مرات البعد البؤري للمرآة المقعرة المقتطعة منه. وهكذا يحتاج الحصول على بعد بؤري للإسقاط يساوي 61 سم إلى كرة زجاجية يساوي قطرها 4.2 متر. وإضافة إلى ذلك سيعطي مقطع من الكرة التامة صورة ضبابية لكل نقطة من الغرفة التي يظهر <أرنولفيني> فيها، حيث تُقابَل كل نقطة بلطخة على ركيزة اللوحة. وقد حسبت أن قدّ اللطخة سيبلغ عدة مرات قدّ التفصيلات الدقيقة للوحة، وهكذا ستقلل التشوهات في الكرة من وضوح الصورة.

إضافة إلى ذلك، كان على حرفيي عصر النهضة مواجهة تحديات تقانية كبيرة في تفضيض مرآة مقعرة وتشميعها، وهذا ما يتطلب وضع القار على السطح الخارجي للزجاج. وبحسب علمي لا توجد أي مرآة مقعرة مصنوعة من عكس كرة زجاجية في أحد المتاحف، ولا يوجد دليل موثق عن صنع مرايا مقعرة انطلاقا من كرات زجاجية منفوخة.

ولحساباتي المتعلقة بالبعد البؤري غير المحتمل لمرآة الإسقاط المزعومة نتيجةٌ أخرى أكثر تضييقا على نظرية <هوكني>. فإذا أقررنا بعدم إمكان الحصول على مرايا كروية من الزجاج المنفوخ بقدود كبيرة فإن الاحتمال الوحيد الذي يبقى لدينا هو استعمال مرايا معدنية مصقولة صغيرة القد، وقد كانت معروفة قبل القرن الخامس عشر، ولكن هذه المرايا تركز الضوء بشكل سيئ. لقد حسبت وتحققت تجريبيا من وجوب تسليط أشعة الشمس المباشرة لإعطاء صورة واضحة على ركيزة اللوحة باستعمال هذه المرايا وبهذه الأبعاد البؤرية. ومن الصعب التوفيق بين هذا الشرط وبين الإضاءة الداخلية غير المباشرة في هذه اللوحة وفي الكثير من لوحات عصر النهضة المبكر التي يشير <هوكني> إليها كدليل على صحة نظريته.


منظور مختلف

ويلقي دليل آخر الشكوك على الاقتراح الذي مفاده أن <ڤان إيك> رسم صورة <أرنولفيني> بإسقاطها على لوح من خشب السنديان. تتبع الصورة المسقطة قوانين المنظور، ولكن خطوط المنظور على الأرض وعلى إطار النافذة والعناصر الأخرى في اللوحة لا تتلاقى عند نقطة التلاشي كما يجب أن تكون عليه.

إضافة إلى ذلك، تكشف طريقة تدعى المسح الانعكاسي باستعمال الأشعة تحت الحمراء infrared reflectography عن وجود رسم تحتي (أي رسم أولي باستعمال الألوان الزيتية وليس باستعمال قلم الرصاص) وعن تصحيحات عديدة في مجمل اللوحة تقريبا وخصوصا في مناطق يدي وقدمي ورأس <أرنولفيني>، وهذا لا يتوافق مع مخطط الصورة المسقطة.

ولا يوجد رسم تحتي للثريا الرائعة. ولربما رسمت هذه المنطقة الصعبة تحت الإسقاط في خارج الغرفة، حيث أضيئت الثريا بأشعة الشمس. وفقا لقول< هوكني> «تتبع الثريا المنظور تماما» انطلاقا من كونها قد رسمت بوساطة الإسقاط، فإذا كان من المؤكد أن الصورة تبدو متوافقة مع المنظور، فهل هي حقا كذلك؟

كبداية لدراسة هذا الأمر رسمت الخطوط التي تربط الأفرع المقابلة على جميع أذرع الثريا المرسومة ثم مددتها بحيث تتلاقى [انظر الإطار في الصفحتين 44 و 45]. تنص قوانين المنظور الهندسي على أنه في مسقط المرآة المقعرة لثريا متناظرة على ركيزة اللوحة يجب أن تتلاقى الخطوط المتوازية في نقطة التلاشي كما تتلاقى قضبان السكة الحديدية في الأفق ضمن صورة فوتوغرافية. ولكن الخطوط التي رسمتها لثريا< ڤان إيك> تنطلق في جميع الاتجاهات، وهي لا تظهر أي نقطة تلاش متوافقة مع الثريا.

ولا تنفي هذه النتائج استخدام صورة مسقطة، فلربما كانت الثريا نفسها غير متناظرة. ولكن ماهي حظوظ عدم تناظر الثريا المستعملة في لوحة <ڤان إيك>؟

للإجابة عن هذا السؤال قمت مع< A .كريمينيسي> [وهو يعمل في مركز مايكروسوفت للبحوث في كيمبريدج، إنگلترا] باستعمال خوارزمياته الحاسوبية البصرية الجديدة والدقيقة لتصحيح المنظور في كل ذراع من الثريا، ثم وضعنا الصور المصحَّحة بعضها فوق بعض. ويدل أي فرق بين الأذرع المصححة المنظور على الحيد اللازم إدخاله لتعديل الثريا بحيث تصبح متوافقة مع نظرية المنظور. لقد وجدنا أن بعض الأقسام تكون منتظمة بشكل جيد، في حين يبقى معظم الأذرع متباعدا عن مواضعه المفترضة بمسافة تصل إلى عشرة سنتيمترات تقريبا.

يعتقد معظم المختصين أن معظم الأذرع المصنوعة من خلائط النحاس في أوروبا كانت تُصبّ انطلاقا من قالب واحد في عصر< ڤان إيك>، وأن التزيينات لم تكن ملحومة أو مبرشمة على الذراع نفسها، ولذلك يجب أن يكون لجميع الأذرع الشكل نفسه. وقد تثبَّتُ مع <كريمينيسي> من التناظر العالي لهذه الثريا من خلال تطبيق تحليلنا المنظوري على إسقاط حقيقي (صورة فوتوغرافية) لقالب ثريا رباعية الأذرع من القرن الخامس عشر، ولاحظنا أن الأذرع المصححة المنظور تتوافق تماما مع الصورة المسقطة بحيث لا يتجاوز الفرق الأعظمي بين الأذرع مليمترا واحدا. وقد بينت اختبارات المنظور للعديد من الثريات الضخمة في المتاحف الملكية للفن والتاريخ في بروكسل أنها أكثر تناظرا بكثير مما تستدعيه نظرية <هوكني> في الإسقاط من ثريا <أرنولفيني>.

وخلف نظرية الإسقاط يكمن الاعتقاد بأنه لم يكن بوسع <ڤان إيك> الوصول إلى هذا المستوى من دقة المنظور بالعين وحدها دون مساعدة الأجهزة البصرية. ولكن ماهو مستوى دقة المنظور الذي يمكن الوصول إليه بالعين المجردة؟ بناء على طلبي رسم الفنان البريطاني <N. وليامز>عدة ثريات معقدة التركيب دون استخدام صورة أو جهاز ضوئي أو تراكيب منظورية. وقد أظهر تحليلنا لرسومه أن المنظور كان ممتازا، بل هو أفضل من منظور ثريا <أرنولفيني>، وهذا يبرهن على أن الفنان المتمكن لا يحتاج إلى إسقاطات للحصول على منظور جيد.


الثريا

تنص نظرية الإسقاط البصري على أن الثريا في لوحة <أرنولفيني> مرسومة بمنظور تام وكأنها كانت ناتجة من صورة مسقطة. للتحقق من هذا المنطلق أجرى مؤلف المقالة تحليلا منظوريا على الثريا. في رؤية عين الطائر (أو الرؤية المسطحة) المبينة في اليمين افترض أن الثريا السداسية الأذرع متناظرة سداسيا. وتحدد البنى المقابلة (النقاط الملونة) على أي زوج من الأذرع الخطوط الموازية للأرضية والمتعامدة مع المستوى العمودي القاطع لهذه الخطوط، وهكذا تكون هذه الخطوط (كما هي الحال في الخطوط الموضحة في الشكل) متوازية فيما بينها في الفراغ. إذا كانت الثريا المستعملة في اللوحة متوازية ـ أو قريبة من ذلك ـ ورسمت في منظور تام فستتلاقى الخطوط المتوازية في نقطة التلاشي (في الوسط). ولكن الخطوط المرسومة بشكل مشابه للوحة< أرنولفيني> (في اليسار) تحيد تماما عن ذلك. وباختصار، إما أن تكون الثريا غير مرسومة عبر صورة مسقطة أو أنها بعيدة عن التناظر.








للتحقق من احتمال كون الثريا غير متناظرة استعمل المؤلف و<A. كريمينيسي> محاكاة حاسوبية لوصف الثريا المرسومة (في الأسفل) ثم قلبا الأذرع وراكباها واحدة فوق الأخرى، كما هو مبين في اليسار، من أجل ذراعين فحسب. كشف التحليل عن وجود انزياح قدره نحو 10 سم، ولا يحتمل حصول هذه الدرجة من الانزياح في الثريا استنادا إلى القياسات المجراة على ثريات من العصر نفسه موجودة في المتاحف وعبر تحليل حاسوبي مشابه لصور هذه الثريا.


صورة الكاردينال ألبرگاتي

حلَّلت لاحقا صورة رسمها <ڤان إيك> لِ<نيكولو ألبرگاتي>. نفّذ الفنان في البداية رسما في ثلاثة أيام عام 1431. وقد رُسمت هذه اللوحة بوساطة طريقة قلم الفضة التي يطبَّق فيها القلم على ورق معد خصيصا لإعطاء صورة واضحة، فالرسم هو بجلاء دراسة أولية للتحضير لعمل نهائي. وفي السنة التالية رسم الفنان نسخة أكبر من الصورة مستعملا الألوان الزيتية ولوح خشب، وهذا ما اقتضى نسخ الصورة وتكبيرها من سطح مستو إلى آخر.

اقترح <فالكو> (مساعد هوكني) أن <ڤان إيك> استعمل جهاز إسقاط ضوئي في رسمه للوحة الزيتية، وهو جهاز إسقاط نافذ بدائي epidiascope يتألف من حاملين توضع على أحدهما اللوحة المرسومة بقلم الفضة ويسلط عليها ضوء قوي (من المفترض أن يكون ضوء الشمس) والحامل الآخر لوح خشب موضوع في الظل (داخل أو تحت خيمة مثلا). وهكذا ستُسقط مرآة مقعرة صورة حقيقية مقلوبة للوحة المرسومة بقلم الفضة على لوح الخشب الذي يريد <ڤان إيك> رسم الكفاف عليه. وقد استند< هوكني> و<فالكو> في تنفيذهما إلى خاصتين للوجه هما التماثل التام للأشكال (إذا وضعت بالمقياس نفسه) ووجود فارق طفيف في بعض مناطق الصورة وبالأخص عند الأذن [انظر الرسم في هذه الصفحة].

لقد انزاحت الأذن نحو 30 درجة تجاه اليمين في اللوحة الزيتية، وكانت أيضا أكبر بنحو 30% (إضافة إلى التكبير الحاصل في اللوحة الزيتية البالغ 40%). ويعلل <هوكني> و<فالكو> هذا الانزياح برسم <ڤان إيك> لقسم من الصورة مسقطة من جهاز الإسقاط ثم تحريكه بشكل عرضي اللوحة المرسومة بقلم الفضة أو تحريك اللوحة الزيتية أو المرآة ومتابعة رسم ما تبقى من الصورة مع الإبقاء على الانزياح.


نسخ صورة الكاردينال< ألبرگاتي>

وفق نظرية <هوكني> نسخ< ڤان إيك> دراسة مرسومة بقلم الفضة للكاردينال <ألبرگاتي> بوساطة جهاز إسقاط، وهو جهاز بدائي يُسقط صورة من سطح مستو على سطح مستو آخر. توضع اللوحة المرسومة بقلم الفضة (في يسار الشكل التخطيطي) على حامل وتضاء بأشعة ضوئية قوية كضوء الشمس. يوضع لوح الخشب على الحامل الآخر في الظل (في يمين الشكل التخطيطي) بحيث إن الصورة المقلوبة والباهتة المسقطة بوساطة المرآة المقعرة ستكون مرئية. سيخط< ڤان إيك> بقلم الرصاص كفاف الصورة ثم سيرسمها لاحقا.




عند اختزال قدود الصورة الزيتية <لألبرگاتي> بنحو 40% ومقارنتها بالدراسة المرسومة بقلم الفضة (في اليمين) تطابقت الكفافات إلى نحو 1 ملم ، وهذا ما يبين وثوقية النسخ. ورغم ذلك، تظهر الأذن في اللوحة الزيتية انزياحا نحو اليمين وتضخما إضافيا بنحو 30%. ويقترح <هوكني> أن< ڤان إيك> قد حرك الدراسة أو اللوحة الزيتية أو المرآة عَرَضا ثم تابع رسم الصورة المزاحة. ويعتقد المؤلف أنه من غير المحتمل غياب ملاحظة هذا الانزياح عن< ڤان إيك >، وهو يقترح احتمال استعمال أداة مساعدة مثل الفرجار أو دائرة الاختزال، وهي زوج من القضبان المتقاطعة التي تدور حول نقطة مختلفة عن نقطة المحور لتكبير الرسم. (لاستعمال دائرة الاختزال وضع الفنان قضيبي الأداة على الرسم الأصلي ثم قلب الجهاز رأسا على عقب لتعليم المسافة بمقياس التكبير على النسخة.)





استعمل <R. تايلور> [هو باحث في جامعة أوريگون] دائرة الاختزال لنسخ الدراسة المرسومة بقلم الفضة ل<ألبرگاتي> (في أقصى اليسار). عندما مُسحت نسخته رقميا (في اليسار) وقوبلت مع الرسم الأصلي ظهر توافق جيد بينهما باستثناء منطقة الأذن. بوسع دائرة الاختزال أن تقدم تفسيرا للانزياح والتعرض الإضافي للأذن، فقد بدأ <ڤان إيك> نسخ الجانب الأيسر من الوجه باستعمال أداة لتعليم الفواصل بين الفم وطرف الأنف، ثم ما بين العينين، الخ... ولكن لدائرة الاختزال فرجة محدودة ولم يمكن لـ <ڤان إيك> فتحها أكثر لتعليم المسافة بين الذقن والأذن، ولذلك أزاحها تقديريا نحو جانب الرأس المجاور للأذن ثم بدأ بالنسخ من جديد، وهذا ما أزاح الأذن بالنسبة إلى جانب الوجه المرسوم سابقا.

ولكن ثمة تعليل لهذه المشكلة، فإذا كان< ڤان إيك> قد حرك التوضع شيئا ما أثناء عمله فمن المؤكد أنه سيلاحظ عدم التوافق بين الصورة المسقطة المزاحة والخطوط التي رسمها سابقا على ركيزة اللوحة. وقد نسخت اللوحة المرسومة بقلم الفضة باستعمال جهاز إسقاط مبسط مصنوع من مرآة دائرية وإضاءة شمسية مباشرة، وعندما حركتُ جهاز الإسقاط عنوة لاحظت حدوث خلل واضح في الرسم. ولذلك من غير المحتمل أن <ڤان إيك> لم يلحظ هذا الانزياح وهو الذي عمل بجد على هذه الطلبية المهمة.

من الممكن أن تكون اللوحة المرسومة بقلم الفضة قد نُسخت باستعمال طريقة أبسط بكثير من ذلك، مثل الفرجار أو دائرة الاختزال Reduction-szirkel (وهي عبارة عن زوج من القضبان المتقاطعة التي تدور حول نقطة مختلفة عن محورهما). يضع الفنان طرفي القضيبين على جانب الرسم الأصلي ثم يقلب الأداة رأسا على عقب بحيث يعلِّم المسافة التي يريد تكبير النسخة بها أو تصغيرها. وقد طلبت إلى <R. تايلور> [وهو يعمل في جامعة أوريگون، الولايات المتحدة] صنع دائرة اخترال واستعمالها في نسخ وتكبير لوحة< ألبرگاتي> المرسومة بقلم الفضة. وقد كانت الدقة التي حصل عليها عالية (تقل عن مليمتر واحد عبر مجمل الصورة)، ولكن الغريب في الأمر أن موضع الأذن منزاح بعض الشيء، ربما لأنه بدأ بالعمل من أسفل اليسار ولأن فرجة الأداة لم تكن كافية للوصول إلى الأذن.


ما هو المصدر إذًا ؟

إذا كان جميع ما سبق يبعث على الاعتقاد أن< ڤان إيك> لم يستعمل أجهزة ضوئية أثناء تنفيذه للأعمال الفنية يبقى لدينا السؤال البدئي: ما هي دواعي ازدياد الواقعية في لوحات عصر النهضة ابتداء من عام 1425 والذي يعد <ڤان إيك> أفضل من يمثلها؟ هناك جملة من الأسباب، بعضها تقاني وبعضها ثقافي، وربما كان هناك أيضا سبب بصري.

ابتدأ استعمال التصوير الزيتي في عصر النهضة المبكر، وفي الحقيقة غالبا ما يدعى <ڤان إيك> «أب التصوير الزيتي». في التصوير المسطح لطريقة التمپرا(2) Tempera في العصور الوسطى كان من شبه المستحيل الحصول على تدريج الألوان الذي يعطي الانطباع بالأبعاد الثلاثة. وفي المقابل سمحت الألوان الزيتية بالحصول على تدرجات لونية مستمرة، إضافة إلى ظهور طرائق جديدة في تراكب الألوان وفي تلميعها، وأيضا إلى مجال أعرض من الألوان بما فيها كثير من الألوان الأكثر حيوية. ولكن ربما تكمن الخاصة الأكثر أهمية للألوان الزيتية في بطء جفافها مقارنة بالألوان التي سبقتها، وهذا ما سمح للفنان بإضافة مسحات لاحقة وبالعمل على لوحته خلال أشهر أو سنوات.

في غضون ذلك الوقت اخترع فنانون إيطاليون المنظور الخطي الذي يستند إلى خط أفقي ونقطة تلاش وخطوط عمودية، أو «أشعة مرئية» تقود عين المشاهد نحو نقطة التلاشي، وقد أعطت هذه المنظومة الرياضياتية الإيحاء بالفضاء والمسافة على سطح مستو وسمحت للفنانين بوصف المشاهد على نحو أكثر طبيعية من قبل. وثمة تجديد تقاني آخر حدث في تلك الفترة هو أن الفنانين درسوا الجثث لأول مرة وطوروا فهمًا أفضل للعضلات وللهيكل العظمي.

وقد تضافرت عوامل ثقافية عديدة للتمهيد لذلك الفن الجديد أيضا. فقد أفرز عصر النهضة اضمحلال سلطة الكنيسة وظهور المثاليات التقليدية التي تضع الإنسان في محور الزمان والمكان. وقد كان تزايد الأثرياء عاملا مهمًا أيضا، فقد كان على فناني عصر النهضة تمثيل شخص معين وممتلكاته، فإذا لم تكن لوحة< أرنولفيني> شبيهة به أو مُرْضية لغروره فلربما لن يجزل هذا الثري عطيته للفنان.

وقد اقترح <C .تيلر> [من معهد كتلول لبحوث العين في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة] سببا «بصريا» لنشوء الواقعية، وهو سبب مغاير تماما لما قدمه <هوكني>: إنه استعمال النظارات الذي ازداد شيوعا في بداية عصر النهضة، فالفنانون الذين احتاجوا إلى النظارات (والذين استعملوها) كان بإمكانهم الحصول على رؤية أكثر وضوحا لتفاصيل لوحاتهم. ولهذا السبب نرى في لوحة السيدة العذراء والقديس< ڤان در بايله> (المرسومة عام 1436) شخصا يمسك نظارات. وانطلاقا من البقعة اللامعة الصادرة عن عدسة النظارات استنتجتُ أن العدسات مجمِّعة، وهذا يساعد الفنان المديد البصر على الرؤية عن كثب بشكل أكثر دقة. لقد صرح< هوكني> مازحا بأن الفن الغربي «وضع نظارات» لأول مرة في فجر عصر النهضة، ولربما كان في مزاحه هذا من الحقيقة أكثر بكثير مما يعتقد.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
【♣】◄ البصريات والواقعية في فن عصر النهضة ►【♣】
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
۞ منتديات كنوز الإبداع ۞ :: ۞ المنتديات العلمية ۞ ::  ₪ العلوم والتقنية ₪-
انتقل الى: